عبد الله بن أحمد النسفي
362
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 104 إلى 106 ] وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 104 ) إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً ( 105 ) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 106 ) فأتموا بالقيام « 1 » والركوع والسجود إِنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتاباً مَوْقُوتاً مكتوبا محدودا بأوقات معلومة . 104 - وَلا تَهِنُوا ولا تضعفوا ولا تتوانوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ في طلب الكفار بالقتال والتعرض به لهم ، ثم ألزمهم الحجة بقوله إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ أي ليس ما تجدون من الألم بالجرح والقتل مختصا بكم بل هو مشترك بينكم وبينهم ، يصيبهم كما يصيبكم ، ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أجدر منهم بالصبر ، لأنكم ترجون من اللّه ما لا يرجون من إظهار دينكم على سائر الأديان ، ومن الثواب العظيم في الآخرة وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً بما يجد المؤمنون من الألم حَكِيماً في تدبير أمورهم . روي أن طعمة بن أبيرق أحد بني ظفر سرق درعا من جار له اسمه قتادة بن النعمان في جراب دقيق ، فجعل الدقيق ينتثر من خرق فيه ، وخبأها عند زيد بن السمين رجل من اليهود ، فالتمست الدرع عند طعمة فلم توجد ، وحلف ما أخذها وما له بها علم ، فتركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهى إلى منزل اليهودي ، فأخذوها ، فقال دفعها إليّ طعمة ، وشهد له ناس من اليهود ، فقالت بنو ظفر : انطلقوا بنا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فسألوه أن يجادل عن صاحبهم ، وقالوا إن لم تفعل هلك صاحبنا وافتضح وبرئ اليهودي ، فهمّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يفعل فنزل : 105 - إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ أي محقا لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ بما عرّفك وأوحى به إليك ، وقال الشيخ أبو منصور رحمه اللّه بما ألهمك بالنظر في أصوله المنزلة ، وفيه دلالة جواز الاجتهاد في حقه وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ لأجل الخائنين خَصِيماً مخاصما ، أي ولا تخاصم اليهود لأجل بني ظفر . 106 - وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ مما هممت به إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً .
--> ( 1 ) في ( ز ) القيام .